ريتال
12-27-2008, 10:04 PM
«حسابات متقاطعة» فى «موقعة الحذاء»
بوغت مسئول وزارى مصرى فى نهاية لقاء بالبيت الأبيض جرت وقائعه قبل فترة بالرئيس الأمريكى جــورج بـوش يقـول: «أرجـو أن تنقـل تحياتى إلى (Mr. Wisdom - السيد حكمة).. بدت العبارة غامضة ومثيرة للدهشة والتساؤلات، وعندما استفسر المسئول المصري: «من تقصد؟».. كانت الإجابة فورية ومعبأة بمشاعر سلبية تماهى السخرية الصريحة: «الرئيس مبارك»(!)
الواقعة تعكس تعقد العلاقات بين الرئيسين الأمريكى والمصرى إلى حد تجاوز القواعد والأعراف الدبلوماسية والذوق العام فى الحديث عن الرئيس مبارك عند أحد مرؤوسيه يمثله شخصياً فى مهمة عمل رسمية. غير أنها تعكس -فى ذات الوقت- أزمة السياسة المصرية وطبيعة خياراتها الاستراتيجية فى منطقة الشرق الأوسط، وتراجع أدوارها الإقليمية بصورة خطيرة، وقد دأبت وسائل الإعلام المصرية على وصف الرئيس مبارك بـ«الحكمة»، وأخذت جهات دبلوماسية أوروبية تنصح بصورة منتظمة كبار مسئوليها الذين يزورون القاهرة أن يصفوا مبارك بـ«الحكمة»، وأن من أهداف زيارتهم التعلم منه فى فهم شئون المنطقة. وهو أمر اعتقد الرئيس الأمريكى بأنه طريف إلى حد التندر عليه فى حضور مصرى وزارى.
ويستطيع أى راصد لطبيعة العلاقات المصرية - الأمريكية طوال فترتى حكم جورج بوش أن يرصد مفارقة كبرى بين التزام صارم أبدته القاهرة بالاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة وتدهور العلاقات الشخصية بين الرئيسين.
مفارقة بين الموضوع (وهو الأساس بالنظر إلى الاستراتيجيات والمواقف المترتبة عليها)، والذات (وهى عارض فى العلاقات بين رجلين).
ولسنوات طويلة أبدى الرئيس مبارك ذات المشاعر السلبية تجاه جورج بوش، وقد استمعت إلى انتقادات شخصية حادة سجلها الرئيس فى جلسات ضيقة برئاسة الجمهورية ضمت عدداً من رؤساء التحرير وصلت إلى حد وصف بوش بـ«الغباء» و«العنجهية»، وتحميله مسئولية تحطيم العراق بعد غزوه واحتلاله، وعندما اغتيل الزعيم الشيعى عبدالعزيز الحكيم، وبدأت آلة الإعلام تحمل الرئيس العراقى السابق مسئولية هذا الاغتيال، قال مبارك بالنص.. أمام رؤساء التحرير: «إن المعلومات المتوافرة تؤكد ضلوع الاستخبارات الأمريكية فى الحادث». والمعضلة فى الكلام الرئاسى أن الضيق الشخصى بتصرفات بوش الخشنة لا يمتد إلى السياسات أو ينعكس عليها.
فى الجلسات الضيقة، التى ليست للنشر، يهاجمه بعنف.. وفى العلن، يؤيد السياسات الأمريكية ويمضى معها إلى أهدافها. ويبدو أن الأمريكيين لاحظوا تناقض الرؤى الرئاسية، فأخذوا يلمحون أمام الرئيس، أو عبر وسائل الإعلام الغربية، إلى ضرورة أن تتسق المواقف فى العلن وفى الجلسات الخاصة، وهو ما دعا الرئيس لاحقاً إلى أن يخفف من نبرة هجومه على بوش فى اجتماعات مغلقة. والمثير فى تعقد العلاقات وتداخل الشخصى مع الاستراتيجى أن الرئاسة المصرية لجأت فى جلسات ضمتها إلى مسئولين أمريكيين كبار قبل غزو العراق إلى تأكيد أن لديه أسلحة دمار شامل تحملها عربات متنقلة، والشهادات منشورة، وقد ثبت -تالياً بالدليل القاطع- أنها تجافى الحقيقة، والمعنى -هنا- أن القاهرة كانت مستعدة أن توفر الذرائع الإضافية للحرب على العراق، أو أن تقول للمسئولين الأمريكيين ما يودون أن يسمعوه، رغم أنهم يعرفون أكثر من أى طرف آخر أن تلك محض أكاذيب، أو ذرائع تستخدم للعدوان على دولة عربية محورية بحجم العراق.
وعلى مدى سنوات بالغت واشنطن فى الاستهانة بالوفود المصرية التى زارتها، ووصلت -عند زيارة الرئيس فى آخر زياراته إلى مزرعة بوش- إلى ما يمكن اعتباره اعتداءً من مسئول أمنى أمريكى على الوفد الصحفى المرافق، الذى كان ينتظر نهاية المباحثات فى غرفة خاصة ملحقة بقاعة الاجتماعات.
بصورة أو أخرى تقبلت السياسة المصرية الإهانات المتكررة، وكان ذلك تعبيراً عن نوع العلاقات التى توصف فى الخطاب الرسمى بأنها استراتيجية.
وفى فترة الحراك السياسى حاولت الإدارة الأمريكية أن توظف تدهور الحريات العامة فى مصر لابتزاز تنازلات جوهرية جديدة، من بينها التعاون الأمنى فى العراق واتباع ما تريده إسرائيل فى الملف الفلسطينى، وفى ملفات حساسة أخرى. وبدا واضحاً أن النظام هنا فى مصر ينتظر نهاية عصر بوش لالتقاط الأنفاس.. أو توفير ظروف سياسية أفضل لتمرير «سيناريو التوريث» بأقل ممانعة دولية، أو دون حاجة كبيرة لتقديم تنازلات أخرى أخطر وأفدح.
ولسنوات طويلة امتنعت الإدارة الأمريكية عن دعم «سيناريو التوريث»، ولكنها لم تعارضه فى نفس الوقت، وخضعت اللعبة للاعتبارات البراجماتية، وهذا أمر مفهوم فى حسابات مصالح الدول واستراتيجياتها، فما يهم الولايات المتحدة أن تحافظ على مصالحها، وأن يكون النظام فى مصر موالياً لها، وقادراً على لعب الأدوار المنوطة به.. سواء كان الرئيس المقبل جمال مبارك أو غير جمال مبارك، والمشكلة التى أضعفت الدور المصرى، ونالت بصورة خطيرة مما تبقى له من هيبة فى منطقته، أن النظام بدا مرهوناً لـ«سيناريو التوريث»، الذى بات المشروع الوحيد الذى يحكم حساباته، وهو أمر سوف تعانى منه مصر بصورة أكبر فى عصر أوباما، فلا أحد يحترم حقاً دولة لا تدافع عن مصالحها ولا تطرح قضاياها على أجندة محيطها الإقليمى.
استقالت مصر من أدوارها، فخسرت -ضمن قائمة طويلة من التراجعات الاستراتيجية- احترامها لدى الدولة التى نقول بأننا فى علاقة تحالف استراتيجية معها.
وفى موقعة الحذاء، الذى تطاير أمام الكاميرات ليضرب الرئيس الأمريكى، بدا أن النظام والشارع قد توافقا على إبداء ذات المشاعر تجاه الرئيس الأمريكى، الأول، بصورة إعلامية لا تخفى دلالاتها وفى الكواليس. والثانى، بصورة صريحة وجدت فى الحادث انتقاماً تراجيدياً من رئيس نكَّل بدولة عربية مهمة وحطَّم بنيتها الداخلية، وجرها إلى حروب أهلية، ونزف ثرواتها البترولية، وقتل أكثر من مليون عراقى، وشرد ملايين أخرى، ونسف بيوتاً وأمناً بصورة جعلت الحياة مستحيلة، انتقام تراجيدى يستدعى إلى الذاكرة سلسلة الأكاذيب والادعاءات التى ذهبت إلى توقع أن يستقبل العراقيون قوات الغزو بالورد والرياحين، ويستدعى إلى الذاكرة ضرب تمثال وصور الرئيس العراقى الراحل صدام حسين بالأحذية. كانت تلك بداية اللعبة، والآن اللعبة انتهت، وقد ضرب الرئيس الأمريكى نفسه، وداخل المنطقة الخضراء التى تخضع لسيطرة قواته، بالأحذية هو شخصياً.
فى عمق التفاعلات الصاخبة والمشاعر الجياشة التى اجتاحت الشارع العربى بدا أن جوهر الاعتراض الشعبى على بوش ينصرف إلى سياساته، وبالتالى ينصرف إلى سياسات النظم العربية الحليفة للولايات المتحدة، وهذا الجوهر يعبر عن كراهية بلا حدود لسياسة العنجهية الأمريكية فى المنطقة والتوق إلى مواجهتها بسبل أكثر فاعلية وتأثيراً تضع القضايا والمصالح العربية فى المقام الأول، وهنا التناقض يتجلى بين ما هو ضيق ومحدود وشخصى يتعلق بأمن النظم العربية، والنظام المصرى على رأسها، وبين ما هو استراتيجى وسياسى يتعلق بالحقوق العربية المهدرة.
بدا الصحفى العراقى منتظر الزيدى بطلاً شعبياً، فهو على الأقل عبر عن ما يختلج فى المشاعر العامة، والصور والرموز وما ينساب حولها من مشاعر تعكس -فى كثير من الأحوال- ما هو مضمر وعميق فى التفاعلات، وتنبئ عن حقائق أساسية يصعب التغافل عنها، بكلام عن قواعد المهنة واحترام المؤتمرات الصحفية، وهو كلام لا يصح الخلاف حوله، ولكنه فى حالة بوش يبدو متناقضاً مع أية قواعد إنسانية، فقد جرى غزو العراق بلا غطاء من شرعية دولية، وجرى احتلاله وتفكيكه بصورة يصعب تصور مداها، وارتكبت جرائم حرب وجرائم بحق الإنسانية، وثبت أن مسوغات الغزو ملفقة وكاذبة ولا تستند إلى دليل واحد، والذين يتحدثون عن القواعد واحترامها عليهم أولاً وقبل أى شيء آخر أن يدركوا أن القواعد الدولية والإنسانية انتهكت فى العراق وكما لم يحدث فى العصور الحديثة كلها، وأن جرائم بوش تجاوزت ما هو منسوب للنازية من توحش. ولا أحد من حقه أن يلقن الصحفى العراقى العروبى، الذى هو الآن بطل شعبى قومى، دروساً فى المهنية، فقد أدى دوره كإنسان وكمواطن عراقى عذب شخصياً على يد ميليشيات تابعة للاحتلال، وقتلت أعداد من أسرته، وربما اغتصبت بعض سيداتها، وجاءت الفرصة وضرب بحذائه الرئيس الأمريكى، والمماحكة فى أن الضرب بالحذاء إهانة فى الثقافة العربية لا يحمل نفس المعانى فى الثقافة الغربية هو كلام فارغ، فعلى الأقل -كما قالت إحدى الصحف البريطانية- فإن الضرب بالحذاء لا يحمل فى الثقافة الغربية معانى التكريم!
فى واقعة الحذاء تماهت إلى حد ما بعض المشاعر التى تحمل مواقف متناقضة، وفى حالة النظم فاللعبة عابرة لا تمس الاستراتيجيات والسياسات، بينما لتداعيات الواقعة شعبياً دلالات أخرى عميقة وكاشفة، وقد تحمل فى رسائلها بعض إشارات إلى المستقبل.
منقول
بوغت مسئول وزارى مصرى فى نهاية لقاء بالبيت الأبيض جرت وقائعه قبل فترة بالرئيس الأمريكى جــورج بـوش يقـول: «أرجـو أن تنقـل تحياتى إلى (Mr. Wisdom - السيد حكمة).. بدت العبارة غامضة ومثيرة للدهشة والتساؤلات، وعندما استفسر المسئول المصري: «من تقصد؟».. كانت الإجابة فورية ومعبأة بمشاعر سلبية تماهى السخرية الصريحة: «الرئيس مبارك»(!)
الواقعة تعكس تعقد العلاقات بين الرئيسين الأمريكى والمصرى إلى حد تجاوز القواعد والأعراف الدبلوماسية والذوق العام فى الحديث عن الرئيس مبارك عند أحد مرؤوسيه يمثله شخصياً فى مهمة عمل رسمية. غير أنها تعكس -فى ذات الوقت- أزمة السياسة المصرية وطبيعة خياراتها الاستراتيجية فى منطقة الشرق الأوسط، وتراجع أدوارها الإقليمية بصورة خطيرة، وقد دأبت وسائل الإعلام المصرية على وصف الرئيس مبارك بـ«الحكمة»، وأخذت جهات دبلوماسية أوروبية تنصح بصورة منتظمة كبار مسئوليها الذين يزورون القاهرة أن يصفوا مبارك بـ«الحكمة»، وأن من أهداف زيارتهم التعلم منه فى فهم شئون المنطقة. وهو أمر اعتقد الرئيس الأمريكى بأنه طريف إلى حد التندر عليه فى حضور مصرى وزارى.
ويستطيع أى راصد لطبيعة العلاقات المصرية - الأمريكية طوال فترتى حكم جورج بوش أن يرصد مفارقة كبرى بين التزام صارم أبدته القاهرة بالاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة وتدهور العلاقات الشخصية بين الرئيسين.
مفارقة بين الموضوع (وهو الأساس بالنظر إلى الاستراتيجيات والمواقف المترتبة عليها)، والذات (وهى عارض فى العلاقات بين رجلين).
ولسنوات طويلة أبدى الرئيس مبارك ذات المشاعر السلبية تجاه جورج بوش، وقد استمعت إلى انتقادات شخصية حادة سجلها الرئيس فى جلسات ضيقة برئاسة الجمهورية ضمت عدداً من رؤساء التحرير وصلت إلى حد وصف بوش بـ«الغباء» و«العنجهية»، وتحميله مسئولية تحطيم العراق بعد غزوه واحتلاله، وعندما اغتيل الزعيم الشيعى عبدالعزيز الحكيم، وبدأت آلة الإعلام تحمل الرئيس العراقى السابق مسئولية هذا الاغتيال، قال مبارك بالنص.. أمام رؤساء التحرير: «إن المعلومات المتوافرة تؤكد ضلوع الاستخبارات الأمريكية فى الحادث». والمعضلة فى الكلام الرئاسى أن الضيق الشخصى بتصرفات بوش الخشنة لا يمتد إلى السياسات أو ينعكس عليها.
فى الجلسات الضيقة، التى ليست للنشر، يهاجمه بعنف.. وفى العلن، يؤيد السياسات الأمريكية ويمضى معها إلى أهدافها. ويبدو أن الأمريكيين لاحظوا تناقض الرؤى الرئاسية، فأخذوا يلمحون أمام الرئيس، أو عبر وسائل الإعلام الغربية، إلى ضرورة أن تتسق المواقف فى العلن وفى الجلسات الخاصة، وهو ما دعا الرئيس لاحقاً إلى أن يخفف من نبرة هجومه على بوش فى اجتماعات مغلقة. والمثير فى تعقد العلاقات وتداخل الشخصى مع الاستراتيجى أن الرئاسة المصرية لجأت فى جلسات ضمتها إلى مسئولين أمريكيين كبار قبل غزو العراق إلى تأكيد أن لديه أسلحة دمار شامل تحملها عربات متنقلة، والشهادات منشورة، وقد ثبت -تالياً بالدليل القاطع- أنها تجافى الحقيقة، والمعنى -هنا- أن القاهرة كانت مستعدة أن توفر الذرائع الإضافية للحرب على العراق، أو أن تقول للمسئولين الأمريكيين ما يودون أن يسمعوه، رغم أنهم يعرفون أكثر من أى طرف آخر أن تلك محض أكاذيب، أو ذرائع تستخدم للعدوان على دولة عربية محورية بحجم العراق.
وعلى مدى سنوات بالغت واشنطن فى الاستهانة بالوفود المصرية التى زارتها، ووصلت -عند زيارة الرئيس فى آخر زياراته إلى مزرعة بوش- إلى ما يمكن اعتباره اعتداءً من مسئول أمنى أمريكى على الوفد الصحفى المرافق، الذى كان ينتظر نهاية المباحثات فى غرفة خاصة ملحقة بقاعة الاجتماعات.
بصورة أو أخرى تقبلت السياسة المصرية الإهانات المتكررة، وكان ذلك تعبيراً عن نوع العلاقات التى توصف فى الخطاب الرسمى بأنها استراتيجية.
وفى فترة الحراك السياسى حاولت الإدارة الأمريكية أن توظف تدهور الحريات العامة فى مصر لابتزاز تنازلات جوهرية جديدة، من بينها التعاون الأمنى فى العراق واتباع ما تريده إسرائيل فى الملف الفلسطينى، وفى ملفات حساسة أخرى. وبدا واضحاً أن النظام هنا فى مصر ينتظر نهاية عصر بوش لالتقاط الأنفاس.. أو توفير ظروف سياسية أفضل لتمرير «سيناريو التوريث» بأقل ممانعة دولية، أو دون حاجة كبيرة لتقديم تنازلات أخرى أخطر وأفدح.
ولسنوات طويلة امتنعت الإدارة الأمريكية عن دعم «سيناريو التوريث»، ولكنها لم تعارضه فى نفس الوقت، وخضعت اللعبة للاعتبارات البراجماتية، وهذا أمر مفهوم فى حسابات مصالح الدول واستراتيجياتها، فما يهم الولايات المتحدة أن تحافظ على مصالحها، وأن يكون النظام فى مصر موالياً لها، وقادراً على لعب الأدوار المنوطة به.. سواء كان الرئيس المقبل جمال مبارك أو غير جمال مبارك، والمشكلة التى أضعفت الدور المصرى، ونالت بصورة خطيرة مما تبقى له من هيبة فى منطقته، أن النظام بدا مرهوناً لـ«سيناريو التوريث»، الذى بات المشروع الوحيد الذى يحكم حساباته، وهو أمر سوف تعانى منه مصر بصورة أكبر فى عصر أوباما، فلا أحد يحترم حقاً دولة لا تدافع عن مصالحها ولا تطرح قضاياها على أجندة محيطها الإقليمى.
استقالت مصر من أدوارها، فخسرت -ضمن قائمة طويلة من التراجعات الاستراتيجية- احترامها لدى الدولة التى نقول بأننا فى علاقة تحالف استراتيجية معها.
وفى موقعة الحذاء، الذى تطاير أمام الكاميرات ليضرب الرئيس الأمريكى، بدا أن النظام والشارع قد توافقا على إبداء ذات المشاعر تجاه الرئيس الأمريكى، الأول، بصورة إعلامية لا تخفى دلالاتها وفى الكواليس. والثانى، بصورة صريحة وجدت فى الحادث انتقاماً تراجيدياً من رئيس نكَّل بدولة عربية مهمة وحطَّم بنيتها الداخلية، وجرها إلى حروب أهلية، ونزف ثرواتها البترولية، وقتل أكثر من مليون عراقى، وشرد ملايين أخرى، ونسف بيوتاً وأمناً بصورة جعلت الحياة مستحيلة، انتقام تراجيدى يستدعى إلى الذاكرة سلسلة الأكاذيب والادعاءات التى ذهبت إلى توقع أن يستقبل العراقيون قوات الغزو بالورد والرياحين، ويستدعى إلى الذاكرة ضرب تمثال وصور الرئيس العراقى الراحل صدام حسين بالأحذية. كانت تلك بداية اللعبة، والآن اللعبة انتهت، وقد ضرب الرئيس الأمريكى نفسه، وداخل المنطقة الخضراء التى تخضع لسيطرة قواته، بالأحذية هو شخصياً.
فى عمق التفاعلات الصاخبة والمشاعر الجياشة التى اجتاحت الشارع العربى بدا أن جوهر الاعتراض الشعبى على بوش ينصرف إلى سياساته، وبالتالى ينصرف إلى سياسات النظم العربية الحليفة للولايات المتحدة، وهذا الجوهر يعبر عن كراهية بلا حدود لسياسة العنجهية الأمريكية فى المنطقة والتوق إلى مواجهتها بسبل أكثر فاعلية وتأثيراً تضع القضايا والمصالح العربية فى المقام الأول، وهنا التناقض يتجلى بين ما هو ضيق ومحدود وشخصى يتعلق بأمن النظم العربية، والنظام المصرى على رأسها، وبين ما هو استراتيجى وسياسى يتعلق بالحقوق العربية المهدرة.
بدا الصحفى العراقى منتظر الزيدى بطلاً شعبياً، فهو على الأقل عبر عن ما يختلج فى المشاعر العامة، والصور والرموز وما ينساب حولها من مشاعر تعكس -فى كثير من الأحوال- ما هو مضمر وعميق فى التفاعلات، وتنبئ عن حقائق أساسية يصعب التغافل عنها، بكلام عن قواعد المهنة واحترام المؤتمرات الصحفية، وهو كلام لا يصح الخلاف حوله، ولكنه فى حالة بوش يبدو متناقضاً مع أية قواعد إنسانية، فقد جرى غزو العراق بلا غطاء من شرعية دولية، وجرى احتلاله وتفكيكه بصورة يصعب تصور مداها، وارتكبت جرائم حرب وجرائم بحق الإنسانية، وثبت أن مسوغات الغزو ملفقة وكاذبة ولا تستند إلى دليل واحد، والذين يتحدثون عن القواعد واحترامها عليهم أولاً وقبل أى شيء آخر أن يدركوا أن القواعد الدولية والإنسانية انتهكت فى العراق وكما لم يحدث فى العصور الحديثة كلها، وأن جرائم بوش تجاوزت ما هو منسوب للنازية من توحش. ولا أحد من حقه أن يلقن الصحفى العراقى العروبى، الذى هو الآن بطل شعبى قومى، دروساً فى المهنية، فقد أدى دوره كإنسان وكمواطن عراقى عذب شخصياً على يد ميليشيات تابعة للاحتلال، وقتلت أعداد من أسرته، وربما اغتصبت بعض سيداتها، وجاءت الفرصة وضرب بحذائه الرئيس الأمريكى، والمماحكة فى أن الضرب بالحذاء إهانة فى الثقافة العربية لا يحمل نفس المعانى فى الثقافة الغربية هو كلام فارغ، فعلى الأقل -كما قالت إحدى الصحف البريطانية- فإن الضرب بالحذاء لا يحمل فى الثقافة الغربية معانى التكريم!
فى واقعة الحذاء تماهت إلى حد ما بعض المشاعر التى تحمل مواقف متناقضة، وفى حالة النظم فاللعبة عابرة لا تمس الاستراتيجيات والسياسات، بينما لتداعيات الواقعة شعبياً دلالات أخرى عميقة وكاشفة، وقد تحمل فى رسائلها بعض إشارات إلى المستقبل.
منقول